عمر السهروردي
101
عوارف المعارف
ولكن المقال الأكمل في المشيخة القسم الرابع وهو المجذوب المتدارك بالسلوك ، يبادئه الحق بالكشوف وأنوار اليقين ، ويرفع عن قلبه الحجب ، ويستنير بأنوار المشاهدة ، وينشرح وينفسح قلبه ، ويتجافى عن دار الغرور ، وينيب إلى دار الخلود ، ويرتوى من بحر الحال ، ويتخلص من الأغلال والأعلال ، ويقول معلنا لا أعبد ربا لم أره ، ثم يفيض من باطنه على ظاهره ، وتجرى عليه صورة المجاهدة والمعاملة من غير مكابدة وعناء ، بل بلذاذة وهناء ، ويصير قالبه بصفة قلبه لا متلاء قلبه بحب ربه ويلين جلده كما لان قلبه . وعلامة لين جلده إجابة قالبه للعمل ، كإجابة قلبه ، فيزيده اللّه تعالى إرادة خاصة ويرزقه محبة خاصة من محبة المحبوبين المرادين ، ينقطع فيواصل ، ويعرض عنه فيراسل ، ويذهب عنه جمود النفس ، ويصلى بحرارة الروح ، وتنكمش عن قلبه عروق النفس . قال اللّه تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ( 23 ) « 1 » . أخبر أن الجلود تلين ، كما أن القلوب تلين ، ولا يكون هذا إلا حال المحبوب المراد . وقد ورد في الخبر أن إبليس سأل السبيل إلى القلب ، فقيل له يحرم عليك ، ولكن السبيل لك في مجاري العروق المشتبكة بالنفس إلى حد القلب ، فإذا دخلت العروق عرقت فيها من ضيق مجاريها ، وامتزج عرقك بماء الرحمة المترشح من جانب القلب في مجرى واحد ، ويصل بذلك سلطانك ، إلى القلب ، ومن جعلته نبيا أو وليا قلعت تلك العروق من باطن قلبه فيصير القلب سليما ، فإذ دخلت العروق لم تصل إلى المشتبكة بالقلب ، فلا يصل إلى القلب سلطانك .
--> ( 1 ) سورة الزمر آية : 23 .